أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
217
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فالثاني محذوف تقديره : وليعلم الذين آمنوا مميّزين بالإيمان من غيرهم . وقرىء شاذا « 1 » : « يداولها » بياء الغيبة وهو موافق لما قبله ولما بعده . وقراءة العامة على الالتفات المفيد للتعظيم . قوله : « مِنْكُمْ » الظاهر أنّ « مِنْكُمْ » متعلق بالاتخاذ ، وجوّزوا فيه أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « شُهَداءَ » لأنه في الأصل صفة له . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 141 ] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) وقوله تعالى : وَلِيُمَحِّصَ : معطوف على « لِيَعْلَمَ » وتكون الجملة من قوله : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » جملة معترضة بين هذه العلل . والتمحيص : التخليص من الشيء ، وقيل : المحص كالفحص ، ولكنّ الفحص يقال في إبراز شيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل ، والمحص يقال في إبرازه عمّا هو متصل به ، يقال : محصت الذهب ومحّصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث . ومحص الثوب : إذا أزال عنه زئبره « 2 » ، ومحص الحبل أي أخلق حتى ذهب عنه زئبره ، ومحص الظبي : عدا ، فمحص بالتخفيف يكون قاصرا ومتعدّيا ، هكذا روى الزجاج هذه اللفظة : « الحبل » ، ورواها النقاش : « محص الجمل » إذا ذهب وبره وأملس ، والمعنيان واضحان . وقال الخليل : « التمحيص : التخليص من الشيء المعيب . وقيل : هو الابتلاء والاختبار » وأنشد : 1449 - رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفا * فكشّفه التّمحيص حتّى بدا ليا « 3 » وروى الواحدي عن المبرد بسند متصل : محص الحبل يمحص محصا إذا ذهب زئبره حتى تملّص ، وحبل محيص ومليص بمعنى واحد . قال : « يستحبّ في الفرس أن تمحص قوائمه أي : تخلص ، وأنشد ابن الأنباري على ذلك يصف فرسا : 1450 - صمّ النسور صحاح غير عائرة * ركّبن في محصات ملتقى العصب « 4 » أي : في قوائم متجردات من اللحم ليس فيها إلا العظم والعصب والجلد . قال المبرد : « ومعنى قول الناس : « محّص عنّا ذنوبنا » أي أذهب ما تعلّق بنا من الذنوب » . قال الواحدي : « وهذا الذي قاله المبرد تأويل المحص بفتح الحاء وهو واقع ، والمحص بسكون الحاء مصنوع ، قال الخليل : « يقال محصت الشيء أمحصه محصا إذا أخلصته من كلّ عيب » وفي جعله تسكين الحاء مصنوعا نظر ، لأنّ أهل اللغة نقلوه ساكنا ، وهو قياس مصدر الثلاثي . ومحصت السيف والسّنان : جلوتهما حتى ذهب صدؤهما . قال أسامة الهذلي : 1451 - وشقّوا بممحوص السّنان فؤاده * . . . « 5 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 63 . ( 2 ) الزّئبر : ما يعلو الثوب الجديد ، مثل ما يعلو الخز . قال ابن سيده : الزّنبر والزّئبر : ما يظهر من درز الثوب . اللسان : 1797 . ( 3 ) البيت لعبد اللّه بن معاوية انظر الكامل 1 / 183 ، اللسان ( محص ) . ( 4 ) البيت لأبي دؤاد الإيادي انظر ديوانه ( 285 ) . ( 5 ) انظر البيت في ديوان الهذليين 2 / 206 ، وهو صدر بيت وعجزه : . . . * لهم قترات قد بنين محائد